السلام المفقود.. الحروب الخاسرة.. التنمية المستحيلة

Published by

on

unnamed

(1)

نصف قرن ضائع يضاف لقرن قبله!
عندما زار السادات إسرائيل عام ١٩٧٧ هاجمه الجميع تقريباً -وإلى الآن الغالبية- ووصفوه بالخيانة. وعارضه زعماء العرب وقاطعوا مصر، بعضهم إيماناً بالقضية ورفض التطبيع، والآخر خوفاً على عرشه من هبّات وثورة شعبه.

ظن البعض الآخر وقتها -وإلى الآن- أن السادات كان يسبق زمانه وأن لديه قدرة على استقراء واستشراف المستقبل بذكاء.

ولكن -على ما أظن- أن السادات كان جزءاً من حتمية -نحن كبلدان في هذه المنطقة- المرور بها، طالما أننا لم نقم بأي شيء يغير تلك الحتمية/المعادلة.
فقط فهم السادات ذلك ولم يقاومه لأنه عرف أن مقاومته ستضيع ليس فرصاً بقدر المزيد من واقع مؤلم.. وبالفعل هذا ما عايشناه بعدها رغم سلامه -الذي لم يكتمل- وفق رؤيته.

images

الحتمية سريعاً أن هنالك الكثير من الأوضاع التي خلفتها الحروب العالمية، وقبلها الثورة الصناعية.. ودولة عثمانية تنهار، وثروات ومساحات توزع، ووعد بلفور.. وهذا في النصف قرن الأولى وما قبلها بنصف قرن آخر على الأقل.
ثم الأمور ساءت أكثر علينا في نصف القرن الأخير..
الحركات التي تسمى إسلامية، لكنها تنهش الداخل بغباء وضلال.. حروب العراق وإيران.. اجتياحات إسرائيل للأراضي وانتفاضات فلسطينية أولى وثانية.. حتى تم فصل غزة -عن عمد- وخبأ كل شيء!
حرب أهلية بلبنان.. غزو الكويت.. القواعد الأمريكية.. تدمير العراق.. تقسيم السودان.. الثورات العربية.. تدمير سوريا واليمن وليبيا.. اضطرابات سيناء.. استقرار عروش الخليج.. أزمة الطاقة والأسعار.. أزمات المياه.. إلخ من الأزمات الدولية والإقليمية والعربية والمحلية.

(2)

الواقع أسوأ مما نتصور والمستقبل مظلم.. هذا هو المختصر بدون مشاعر وعواطف وجعجعات وشعارات فارغة.
اقتربنا من نصف قرن كامل على زيارة السادات واتفاقية كامب ديفيد -وهذا عمر ليس بكبير ولا صغير في مسيرة الشعوب-
ولكن لا الذين تقدموا للأمام نحو التطبيع وفهم أقرب للواقع استفادوا وتقدموا -ربما قل الضرر نسبياً مع دمجهم في النظام العالمي بشكل أكبر-
ولا الممانعون وقتها لكامب ديفيد، ولا الممانعون حالياً من دول وشعوب استفادوا وقدموا حلولاً ولو خطوة واحدة للأمام.. بل المزيد من الخسائر وتقسيم دول وهزائم اقتصادية وتدمير كامل للبعض.

حتى الشباب -الذين امتلأوا بالأحلام والآمال والشعارات والقوة- اكتشف سيء الحظ منهم الواقع المؤلم: أنه لا شيء، وأن هناك حتمية نسير فيها في دوامة الهلاك.. فصمتت الغالبية وأكملوا الحياة وأعطوا الأولوية لمتطلبات الحياة والنظرة الفردانية.
أما الجهلاء فما زالوا يتحفوننا بالشعارات -من مخلفات حركات وتيارات قديمة انتهت- والهجوم في كل مستجد، وكأنهم في ساقية لا يقرأون ولا يفهمون ولا يسمعون.

مع الوقت، الدول تفهم الحتمية التي تسير نحوها المنطقة، وربما فهمت، ولكن بعض الأمور تتم على مراحل.. ليس فقط التطبيع وعاصمة القدس لإسرائيل وخلافه.. ولكن شكل المنطقة.
الإمارات مؤخراً أعلنت صراحة.. وقبلها في الخفاء شبه المعلن والمفهوم أنها على علاقات واضحة مع إسرائيل.. وأيضا دولا أخرى في الخفاء ودولا أخرى على مقربة. ولكن لماذا تقوم الإمارات بذلك وغيرها الكثير مستقبلاً؟

المشكلة -في نظري- ليست التطبيع أو عدمه بقدر الضعف والتمزق وانتهاء التكتل العربي والإسلامي ونفوذه، والضعف الاقتصادي لدول كثيرة، والضغط الداخلي على بلاد ليس أمامها رفاهية المناورة والمقاومة من الأساس.. وأيضاً أسباب موازية من التوازنات الدولية والإقليمية لبعض الدول مخافة تقسيمها، وتغييرات الحكام، ولحجز تذكرة عبور لتشكيلات ديناميكية مستمرة للمنطقة والعالم الجديد، خاصة مع وشك انتهاء أسطورة البترول وأهمية المنطقة.

الخلفيات الإسلامية ذات وجهة النظر الأصيلة -والتي سادت العالم لقرون طويلة- ستظل تسيطر على نظرة العالم للمنطقة..
فهناك رغبة أو عدم ممانعة لتقدم دول إفريقية للأمام عموماً، وبالفعل تسبق وستسبق الدول العربية لأنها دول ليست لديها طموحات نفسية على أساس أيديولوجي متأصل في جذورها. وفي الأساس إفريقيا Blue Ocean اقتصادي مهول.

كنت قد وصلت لقناعة أن على دول المنطقة أن تسير بجزء كبير على خطة “نفسي نفسي”، لأن مثال “العرب اتفقوا على أن لا يتفقوا” واقعية -مع وجود أسباب وتفاصيل لشرح نتيجة المثال-
وحتى تتقدم داخلياً وتستطيع اللحاق بالركب الذي تأخرنا عنه على الأقل لنصف قرن. وبعدها يحلها ألف حلال!
أن تهتم بالتعليم وقضايا زيادة السكان ونظم الحكم ومحاربة الفساد والتنمية الاقتصادية.
ولكن يبقى التقدم أيضاً مرهوناً بقبولك وسط النظام العالمي بشكل وشروط معينة لا فرار منها.. لن تستطيع بسهولة أن تكون نظرية سياسية وأسساً عريضة تبني عليها قوتك وتأثيرك.
وأيضاً نظرية الفردية للدولة ونزع تاريخية العلاقات والذاكرة صعبة، لأن هناك متغيرات مركبة.. وتركيبة دماغية وروحية للشعوب يصعب التعامل معها ويلزمها خطط متوسطة/طويلة المدى. ولكن هذه النظرية ممكنة في مساحة ما.. ولكن الضريبة خسارة أدوار ومكانة وريادة تاريخية وبعض الفرص.

(3)

دائماً أتحدث عن الأمل.. وسأستمر!
ولكن في الواقع.. أعتقد الأمل فقط بغير رؤية، مراهقة بغير واقع.
والأمل الوهمي.. جنون سيزيد العبث عبثاً والمأساة مأساة.
أجيال كاملة سيتم سحقها قبل أن تولد.. والحكام سيكون فقط كل أحلامهم الحفاظ على حدود أوطانهم وأن لا يطالها شيء. واستمرار ملء أفواه عشرات الملايين من شعوبهم (ديليمة التنمية الاقتصادية والدعم الاقتصادي من عقود).

سيتقدم الجميع نسبيا.. إفريقيا تتقدم.. إسرائيل ستتوسع وتتحكم أكثر وأكثر.. ودور الصين أو أمريكا والقوى، ربما نجد فقط فرصة للعب دور سياسي ماهر بينهم يحمي بعض المصالح. كسيدة لها أكثر من زوج يجب أن ترضيهم جميعاً وتفهم لمن تعطي اهتمامها الزائد في وقت ما.. وأين المصلحة. وهذا يستلزم قراءة جيدة. لم يجيدها للأسف صدام حسين كمثال، والكثير من زعماء المنطقة.

(4)

الأمور أصعب أن يكتب أحدهم مقالة كروشتة بالحلول، أو حتى مجموعة. الأمور مركبة ومعقدة بطريقة صعب قراءتها أصلاً، فضلاً عن التعامل معها!
الأمل أن تتحرك الدولة ويتحرك الشباب لتقديم وجهة نظر مدروسة وكاملة الجوانب عن دور مصر داخلياً وخارجياً خلال الخمسين عاماً القادمة، وما المسموح لها، وما المساحات التي نخططها لأنفسنا، وما المتوقع أن يخطط لنا من الأطراف المتحكمة.
تحاول الدولة حالياً الاعتماد على الشباب وتمكينهم في مساحات. ولكن ما ضمانات ألا يحيد نفس هؤلاء الشباب بسبب تورطهم في السياسة وحب الظهور والتسلق، أو النظرة الفردانية والمصلحة الشخصية والقفز من المركب من البعض الآخر؟

الأطفال هم الحل.. الأجيال السابقة -والتي بالمناسبة نحن منهم ولكل من يقرأ المقالة- انتهت إكلينيكياً جراء أهوال الحروب وضياع الأحلام وفراغ الجيوب وتأخر التعليم وانتشار الجهل وتحديات المستقبل القريب المجهولة.
الأطفال الأكثر قدرة على تحمل الرافعة التكنولوجية والعلمية للوصول لمساحة أبعد في وقت أقل.
هل هذا يعني نهاية دور الشباب؟
على العكس، هم سيكونون معابر آمنة ووسطاء لأطفال الغد. وبدون هذا المعبر سنفقد نصف عقد آخر!

اترك رد

اكتشاف المزيد من

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة