استمعت اليوم لـ Podcast عن كيفية معالجة الآثار السلبية على الأبناء من الآباء والأمهات، وكيفية معالجتها ومواجهتها عند الكبر، وتعلم السماح بالرحيل والمسامحة.
المستضاف كان رجلًا مات أبوه منتحرًا وهو في سن الحادية عشرة. وقبل أن يذكر هذا أثناء الحديث، تكلَّم أن والده لم يَهَبْهُ في طفولته المشاعر التي كان ينتظرها، وأنه لا يتذكر كثيرًا من الذكريات السعيدة معه ولا القاسية أيضًا!
ذكريات عادية عن والد كان يقضي معظم وقته في العمل لتأمين حياة لائقة.
ويذكر أن والده كان يصطحبه لتدريبات كرة القدم، ولم يكن يشاهده يلعب مثل باقي الآباء، ولكنه كان ينتظر هذا الوقت في المدرجات يقرأ كتابًا. وكم أحب وقتها – مثل أي طفل – لو أن والده رآه وهو يلعب ويشجعه بدلًا من أن يضع وجهه في كتاب أثناء تدريباته.
في مرة سأل والدته عن هذا الموضوع: لماذا لم يكن يشاهدني والدي أثناء اللعب بدلًا من القراءة؟
وردت الوالدة ببلاغة: He was doing the best he could
استوقفتني تلك الجملة طويلًا. نعم، كم هي مؤثرة وعميقة في نفس الوقت.
مرت علي سريعًا ذكرياتي مع والدي، كان معظمها محاولات للتربية والتوجيه وتوفير الاحتياجات المطلوبة، مع بعض الأوقات والذكريات المرحة. لم تنتشر وقتها نظريات التربية الإيجابية، وكيفية التأثير الإيجابي المقصود والموجَّه في شخصية الطفل.
ولكن والدي، مثل معظم الآباء المصريين، كان يفعل أفضل ما عنده لأولاده – أتكلم طبعًا عن الآباء الطبيعيين.
الرجال عامة، معظمهم ليسوا ماهرين في إيصال مشاعرهم الفيَّاضة لأبنائهم.
ربما يتعلق هذا بصورة الأب الذي عليه أن يكون دائمًا قويًا، لا يظهر الضعف أو الحزن، لأنه هو الهالة والمثال للأسرة.
وربما ارتبطت في ثقافتنا ألّا يُظهر الرجال أي علامات للفرح العارم أو للحزن من الأصل، حتى لا تهتز صورة الأب الدؤوب القوي الذي ينتظره الأبناء عند عودته دائمًا، ومعه كل الحلول لمشكلات وأسئلة العالم الصعبة وغير المفهومة، وعن الشر لماذا ينتصر على الخير أحيانًا بخلاف ما تعلمناه، وعن أين الله – عز وجل – مما يحدث… والعديد من الأسئلة التي تزداد أو تخف صعوبتها.
أتذكر والدي بعد أن مررت بحادث، وأخبرنا الدكتور بعملية جراحية صعبة لازمة لي.
غفوت قليلًا على سرير المستشفى، وعندما استيقظت، وجدت والدي مولِّيًا ظهره لي لا يعلم باستيقاظي.
كان ينظر للشرفة، وعندما فوجئ باستيقاظي استدار، وعليه علامات دموع لم يُدرِك أنني لمحت أجزاء صغيرة منها. وكانت هذه المرة الأولى التي رأيت فيها ضعفه.
والثانية والأخيرة، وهو على فراش الموت وقد فهم أنه في ساعات الاحتضار، فرأيت هناك مهابة وصمت وألم الموت.
وهكذا يحتفظ كل أب بصورة Superman في عيون أطفاله، حتى بعد أن يكبروا وينجبوا هم الآخرين.
ويصبح أكبر هموم آبائنا وهم في مرض الكبر أو على فراش الموت أنهم يظهرون بموقف الحاجة والعوز والضعف.
هذه الأشياء تفتك بنفسية الرجال، ربما أكثر من الأمراض!!
حياة الآباء ليست سهلة، وصعوبتها أن غالبيتهم فقط يعيشونها في داخلهم، وسط مئات من التفاعلات وضغوطات الحياة، والكثير من القرارات التي يقومون بها أو لا يقومون بها بدافع مصلحة أسرتهم وأطفالهم، حتى لو كانت الأمور تسير بعكس رغباتهم.
فالأكيد أن غالبيتهم يفضّلون رغبات الأبناء على رغباتهم، حتى لو تضرروا.
أعرف الكثير من أصدقائي يحلمون بالكثير من الأشياء، مثل تغيير وظيفة معينة أو شراء بعض ما يحلمون به، ولكن قد يتطلب هذا بعض المخاطرات اللازمة، فيتوقفون أو يؤجلون من أجل الأبناء.
والمئات من الحكايات التي تتحدث عن تضحيات الأب، وأيضًا عطاءاته، لفعل الأفضل للأبناء، بغض النظر عمّا يواجهه في الداخل.
حيث إنه في تفكير غالبية الآباء أنه لا قيمة لما يشعرون به داخليًا، طالما أن عليه الكثير من الالتزامات المادية وغير المادية لتحقيق الأفضل للأبناء.
(طبعًا العلوم الحديثة الحالية أوجدت – للبعض من البعض المتعلِّم والمستنير – طرقًا للتفاعل مع هذا الضغط الداخلي، سواء على الآباء أنفسهم أو في كيفية إظهار المشاعر القوية للأبناء).
وهكذا أنا أؤمن أن معظم الآباء، عندما يفعلون أي شيء، فإنهم يحاولون فعل الأفضل لأبنائهم.
هذا هو ما صدقناه، خاصة عندما كبرنا وأصبحنا أيضًا آباء لأطفال، ففهمنا تضحيات وجهود وسعي ومشاعر الآباء العظماء الذين كانوا يحاولون دائمًا فعل الأفضل على مر الأجيال، كلٌّ على حسب إمكاناته المادية والمعنوية، وعلى حسب ما يمر به كل منهم في داخله من ظروف وتحديات وآمال لا يعبّرون عنها إلا بالعمل والسعي، لا بالكلام.
(أراهن أن معظم من يقرأ هذا الكلام سيتذكر كم أن والده رجل عظيم فعل الكثير والكثير).
لهذا استوقفتني كل هذه الأفكار وأنا أستمع لكلمة الأم:
He was doing the best he could
نعم، ربما كان والد هذا الفتى لا يشاهد ابنه أثناء اللعب ويقرأ في كتاب.
هل كان الأب لا يهمه أمر ابنه؟ لا أعتقد.
وقد عرفوا بعدها أنه كان يحاول من أجل أولاده، ولكنه لم يستطع الاستمرار لتعرضه لنكبات مالية كبيرة لم يستطع مقاومتها، فانتحر هذا الأب.
طبعًا تكلم الابن بعدها وتمنى لو أدرك والده أن وجوده معه كان أفضل من أموال الدنيا.
وتحدث عن تأثير جدّه والأجيال الأولى في أمريكا والحلم الأمريكي ومقاييسه للنجاح، وأن الدنيا لا يجب أن تُقاس بزاوية واحدة وهي الأموال… ولكن هذا موضوع مبحث آخر.
وفي الأخير… تحية لآبائنا الذين ربونا واستطاعوا الصمود وهم لا يصدرون ضجيجًا، وفعلوا (أقصى) ما يستطيعون فعله من أجلنا.
فطالما كان هذا أقصى الجهد والسعي، فكفى… حتى لو وصل بعضهم للنتائج أو لم يصل البعض.

اترك رد